أحمد بن سهل البلخي

531

مصالح الأبدان والأنفس

الباب السادس في تسكين الخوف والفزع 2 / 6 / 1 : قد ذكرنا موقع الخوف والفزع من الأعراض النفسانيّة فيما ينال البدن من أذاهما ، ويخاف عليه من ضررهما إذا أفرطا ، وقلنا : إنّ الفزع إنّما هو إفراط الخوف ؛ لأنّه ليس كلّ ما يخافه الإنسان يبلغ به مبلغ الفزع ، وإنّما يبلغ به مبلغ الفزع شيء يفكّر فيه ، أو يسمع به ، أو يقع بصره عليه من الأشياء المخوفة ، فيهوله حتى يؤدّيه إلى الفزع . ثمّ لا يكون ذلك إلا من شيء يراه ، أو يتوقّع نزوله به من قرب . فأمّا الأمر الذي يخاف وقوعه بعد مدّة متراخية ، فإنّ الإنسان إذا فكّر فيه اغتمّ ، ثم لم يجد في نفسه من شدّة الخوف له ما يشغله ، وذلك مثل تفكير الإنسان في الهرم والفناء ؛ فإنّه / إذا أخطرهما بباله اغتمّ له من غير أن يبلغ منه خوفه لهما مبلغا يقلقه أو يفزعه ، وكذلك إذا سمع الإنسان بمخوف في موضع بعيد منه ، لم يخفه ذلك ما لم يكن منه بالقرب ، وبحيث يقع بصره عليه . والأشياء التي يخافها الإنسان كثيرة ، وأجناسها مختلفة ، مثل خوف ذي سلطان من العزل ، وخوف ذي مال من الفقر ، وما سوى ذلك من الأحوال التي يخاف الإنسان أن يدفع إليها ؛ إلا أنّه ليس شيء من المخاوف يفعل في الإنسان مثل خوفه على نفسه من حدوث حادث يتوقّع نزوله بها من قرب ، كالتلف والألم الشديد ، فهذا هو الخوف الذي يقلق ويفزع ويغيّر الإنسان عن هيئته حتى يتبيّن ذلك فيه . وكذلك فقد يفزع من صوت هائل يسمعه ، كالهدّات « 1 » ، والرعود ،

--> ( 1 ) الهدّة : صوت وقوع الشيء الثقيل ( المعجم الوسيط ه د د 2 / 976 ) .